صناعة السيارات في إيران وأزمة الصلب إثر الحرب الأمريكية على طهران

في مشهد تتشابك فيه دخان المعارك مع أدخنة المصانع، تقف صناعة السيارات في إيران اليوم أمام أصعب اختباراتها التاريخية. فالقصة ليست مجرد صراع عسكري، بل هي "حرب أعصاب صناعية" طالت عمودها الفقري: قطاع الصلب. ومع استمرار العمليات العسكرية، بات كل برغي وكل صفيحة معدنية في طهران يرويان قصة تراجع تقني واقتصادي يدفع ثمنه المستهلك والمصنع على حد سواء.
نزيف الأرقام: قطاع يتراجع تحت الضغط
تشير البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية لمصنعي السيارات إلى أن إيران، التي أنتجت نحو مليون و77 ألف مركبة في 2024، تبتعد اليوم عن ذروتها التاريخية بنسبة تصل إلى 32.6%.
ويبدو الأثر أكثر وضوحا في السنة الإيرانية التي انتهت في مارس الماضي؛ حيث تراجع إنتاج العمالقة الثلاثة (إيران خودرو، سايبا، وفارس خودرو) بنسبة 9.2%.
هذا التراجع لم يكن محض صدفة، بل كان نتيجة مباشرة لاختلال سلاسل التوريد التي تبدأ من مصانع الفولاذ.
"مباركة للصلب": نقطة الاختناق الكبرى
تمثل شركة "فولاذ مباركة" حجر الزاوية في هذه الأزمة، فالمشكلة لا تكمن في نقص "الخام" بقدر ما تكمن في تعطل خطوط "الدرفلة الساخنة" التي تنتج الصفائح المسطحة اللازمة لبناء هياكل السيارات.
المعادلة الحسابية: تحتاج السيارة الحديثة إلى نحو 900 كيلوغرام من الفولاذ.
الأثر الميداني: أي اضطراب في إنتاج اللفافات يعني توقفا فوريا لأجزاء الهيكل، والأبواب، والأسقف.
اقرأ أيضا: آخر التطورات بين أمريكا وإيران في اليوم الـ 59 للحرب على طهران
من الاكتفاء إلى الاستيراد: التحول المر
في تطور لافت جرى هذا الشهر، اضطر وزير الصناعة الإيراني لمنح ترخيص لاستيراد "الورق الساخن"، وهو اعتراف ضمني بأن مصانع الصلب المحلية لم تعد قادرة على سد الفجوة التي خلفها القصف والدمار.
هذا التحول نحو الخارج يضع الصناعة في مهب الريح، خصوصا مع ارتفاع كلفة الشحن والتأمين بسبب ظروف الحرب.
سوق تنتظر المجهول
رغم أن خطوط التجميع في "سايبا" وأخواتها لم تتوقف بشكل كامل، إلا أن المؤشرات تنذر ببطء في التسليم وارتفاع "جنوني" في الأسعار
. فالصناعة التي بدأت من لفافة صلب، تنتهي اليوم بتحميل المستهلك ضريبة "الأمن الصناعي" المفقود.
لا تبدأ السيارة في إيران من المحرك، بل تبدأ من الصفيح الفولاذي؛ وإذا استمر اهتزاز هذه الحلقة، فإن "دولاب" الاقتصاد غير النفطي في البلاد سيجد نفسه مرغما على التوقف، ليس بفعل الرصاص فقط، بل بفعل الصدأ الذي أصاب سلاسل الإمداد.





