كيف يبقى صحن المطاف باردا رغم حرارة الشمس الحارقة في المسجد الحرام؟

- تجسد هذه الحلول الذكية التزام المملكة العربية السعودية باستخدام أحدث ما توصل إليه العلم في سبيل راحة ضيوف الرحمن
في ظل درجات الحرارة المرتفعة التي تشهدها مكة المكرمة، يقف زوار بيت الله الحرام أمام ظاهرة هندسية فريدة؛ حيث يحافظ رخام صحن المطاف على برودته الدائمة خلال ساعات النهار، رغم تعرضه المباشر لأشعة الشمس العامودية.
هذا السر ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج منظومة هندسية متكاملة تجمع بين اختيار المواد الطبيعية النادرة والتصميم الإنشائي المبتكر.
رخام "التاسوس": هبة الطبيعة لضيوف الرحمن
تعود السيرة الأولى لهذه البرودة إلى نوعية الرخام المستخدم، والمعروف عالميا باسم "رخام التاسوس" (Thassos).
هذا الرخام الطبيعي يستخرج من جزيرة "تاسوس" اليونانية، ويتميز بخصائص فيزيائية استثنائية؛ فلونه الأبيض الكريستالي الناصع يعمل كمرآة عاكسة لأشعة الشمس، مما يمنع امتصاص الطاقة الحرارية.
وبخلاف أنواع الرخام الأخرى، يمتلك "التاسوس" مساما دقيقة جدا تساهم في سرعة تبديد الحرارة التي قد تنفذ إليه، كما أن كثافته العالية تجعل معامل امتصاصه للحرارة منخفضا للغاية، مما يبقي سطحه معتدل الحرارة حتى في أوقات الذروة الظهييرة.
المنظومة الهندسية وسماكة الألواح
لا يتوقف الأمر عند جودة الرخام فقط، بل يمتد إلى الآلية الهندسية للتركيب. حيث يتم تركيب ألواح الرخام بسماكة تصل إلى 5 سنتيمترات، وهي سماكة كبيرة تعمل كعازل طبيعي يمنع انتقال الحرارة من القاعدة الخرسانية إلى السطح.
ويتم تثبيت هذه الألواح فوق طبقات عازلة متعددة، مع ترك فراغات دقيقة واستخدام مواد لاصقة خاصة تسمح بمرور الهواء وتقليل الاحتباس الحراري تحت الرخام. هذا التصميم التركيبي يسرع من عملية "التبريد الذاتي" للرخام من خلال التبادل الحراري مع الهواء المحيط.
العوامل البيئية المساندة
تساهم المساحة الواسعة للصحن وحركة الطائفين المستمرة في خلق تيارات هواء تساعد على خفض الإحساس الحراري.
كما أن وجود منظومات التهوية والتكييف الضخمة في الأروقة المحيطة يؤدي إلى تدفق الهواء البارد نحو الصحن، مما يعزز من كفاءة الرخام في البقاء باردا تحت أقدام المصلين والمعتمرين.
تكامل الإنسان والعلم لخدمة "ضيوف الرحمن"
تجسد هذه الحلول الذكية التزام المملكة العربية السعودية باستخدام أحدث ما توصل إليه العلم في سبيل راحة ضيوف الرحمن.
فالرخام الذي كان يظن سابقا أنه يمتلك "أنابيب مياه باردة" تحته، أثبتت الحقائق أنه معجزة هندسية تعتمد على الفيزياء الطبيعية والتصميم الذكي، ليبقى صحن المطاف واحة من الطمأنينة والبرودة رغم هجير الصحراء.





