بين "سندان" الأقساط و"مطرقة" الكتب في مدرسة خاصة: قصة طالب في عمان وحق التعليم المعلق

- اسمك عليه ملاحظة (ذمم مالية).. الكتب محجوبة"
- يذكر أن بعض المدارس الخاصة تستوفي الأقساط المدرسية على كل فصل دراسي وليس على السنة الدراسية الكاملة
- بدأت بعض المدارس الخاصة الفصل الدراسي الثاني الأحد خصيصا صفوف الأول ثانوي
لم تكن شمس صباح الأحد في عمان، وهي تتسلل بخجل من خلف الغيوم الشتوية المتراكمة فوق جبالها السبعة، كافية لتبديد البرودة التي سكنت قلب "رامي"، الطالب في الصف العاشر بإحدى المدارس الخاصة العريقة في منطقة تلاع العلي.
لم تكن برودة "المربعانية" هي السبب، بل تلك الغصة التي رافقته منذ أن سمع والده يهمس لوالدته ليلا، قبيل الفجر، بصوت مبحوح يغالبه النعاس والهم: "لم يكتمل المبلغ يا أم رامي.. سأحاول تدبير الأمر غدا، لعلهم يصبرون علينا يوما أو يومين".
وقف رامي (15 عاما) في طابور الصباح لليوم الأول من الفصل الدراسي الثاني. الساحة تعج بالضجيج، زملاؤه يتبادلون الأحاديث عن العطلة الشتوية، وعن رحلاتهم، وعن أحدث الألعاب الإلكترونية.
لكن عيني رامي كانتا معلقتين بشيء آخر تماما؛ كانتا شاخصتين نحو المبنى الإداري الزجاجي حيث تكدس "رزم" الكتب المدرسية الجديدة. تلك الرزم المغلفة بالنايلون اللامع، والتي تفوح منها رائحة الورق والمطبعة، لم تكن مجرد أدوات للدراسة بالنسبة لرامي في هذا الصباح، بل تحولت في مخيلته إلى "صك براءة" اجتماعي، أو "حكم بالإدانة" أمام أقرانه.
الدقائق الأطول في الحصة الأولى
انتهى الطابور، وتوجه الطلبة إلى صفوفهم بحماس البدايات. دخل المشرف الإداري، "أستاذ ناصر"، حاملا كشفا طويلا بأسماء الطلبة، وخلفه عامل يحمل صندوقا كرتونيا ثقيلا.
اقرأ أيضا: بين قوسين يفتح ملف خلاف التطبيقات والتاكسي الأصفر.. ومطالب بتشديد الرقابة
بدأ ناصر ينادي الأسماء واحدا تلو الآخر. مع كل اسم، يتقدم طالب، يستلم رزمته، يمزق النايلون بشغف، ويعلو صوت تقليب الصفحات الجديدة في الغرفة.
كان رامي يحفظ ترتيب اسمه أبجديا، يعرف أنه يأتي بعد "خالد" وقبل "زياد".
اقترب الدور منه، تسارعت دقات قلبه حتى كاد يسمعها، نادى المشرف "خالد"، سلمه كتبه.. ثم ساد صمت لثانية واحدة بدت كالدهر.. وقفز المشرف بلسانه إلى "زياد".
تجمد رامي في مقعده. رفع يده بارتجافة خفيفة لم يلحظها سواه: "أستاذ.. لم تذكر اسمي".
توقف المشرف، نظر إلى الورقة التي بيده، ثم رفع نظره إلى رامي بنظرة عملية خالية من المشاعر، وقال بصوت اعتيادي سمعه كل من في الصف: "عليك مراجعة قسم المحاسبة في الفرصة.
اسمك عليه ملاحظة (ذمم مالية).. الكتب محجوبة".
في تلك اللحظة، شعر رامي أن جدران الفصل المطلية باللون العاجي تضيق عليه لتطبقه. لم يكن هو المذنب، ولم يوقع شيكا بلا رصيد، ولم يقترض مالا، لكنه هو من دفع الثمن فورا: خجل حارق صعد إلى وجنتيه، انكسار أمام نظرات زملائه المتسائلة، وشعور بالنقص.
مرت بقية الحصة ورامي يحدق في الطاولة الخشبية أمامه، بينما انهمك زملاؤه في تصفح مناهجهم الجديدة، وتدوين أسمائهم عليها بخطوط عريضة.
لقد تحول التعليم، وهو الحق المقدس، إلى سلعة محظورة عليه هذا الصباح.
رسالة الظهيرة
على الجانب الآخر من المدينة، في مكتب مكتظ بالملفات، كان "سمير"، والد رامي، الموظف في إحدى شركات القطاع الخاص، يحاول التظاهر بالعمل.
عقله كان مشغولا بإجراء عمليات حسابية معقدة لراتبه الذي تآكل قبل أن يبدأ الشهر.
الأزمة الاقتصادية التي تعصف بجيوب الطبقة الوسطى في الأردن لم تترك له هامشا للمناورة.
فاتورة التدفئة، صيانة السيارة المفاجئة، أقساط المنزل.. كلها تجمعت كحلف عسكري ضد جيبه.
اهتز هاتفه برسالة "واتساب" من ابنه. تردد في فتحها، كان يخشى ما فيها. النص كان مقتضبا ومؤلما: "بابا، ما رضيو يعطوني الكتب. حكولي راجع المحاسبة. الكل استلم إلا أنا.. متى بتيجي؟".
كانت الرسالة كفيلة بأن تشعل نارا في صدر الأب. شعر بمرارة العجز. ترك عمله مستأذنا مديره بحجة "ظرف عائلي طارئ"، وتوجه فورا إلى المدرسة.
كانت المسافة تبدو لا نهائية، وفي الطريق، كان المذياع يبث نشرة الأخبار، ويستعرض المذيع تصريحات نقيب أصحاب المدارس الخاصة، منذر الصوراني. استمع سمير بتمعن، وكأن النقيب يخاطبه شخصيا.
كان الصوراني يجدد تأكيده عبر الأثير: "المدارس الخاصة تمتنع عن تسليم الكتب المدرسية للفصل الثاني إلا بعد تسديد الرسوم.. المدرسة ليست بنكا للإقراض، وعليها التزامات ورواتب".
ضرب سمير مقود السيارة بيده. يعلم أن للمدرسة حقوقا، فهي مؤسسة تحتاج لدفع الرواتب والكهرباء والضرائب، لكنه تساءل بمرارة وصوت عال داخل سيارته المغلقة: "هل يجب أن يكون ابني هو الرهينة؟ هل يكسر خاطر مراهق في الخامسة عشرة من عمره ليتم لي ذراعي أنا؟ ألا يوجد طريقة أخرى؟".
حوار "الطرشان"
وصل سمير إلى المدرسة قبل نهاية الدوام بقليل. توجه مباشرة إلى قسم المحاسبة. كان المكتب مزدحما بأولياء أمور آخرين، وجوههم تحمل نفس ملامح القلق، وبعضهم يحمل ملامح الغضب المكتوم.
جاء دوره. وقف أمام المحاسب الشاب. "يا أستاذ، أنا لم أتهرب من الدفع طيلة عشر سنوات"، قال سمير للمحاسب بنبرة هادئة تحاول إخفاء بركان يغلي بداخله.
"ظروفي هذا الشهر صعبة، سأدفع جزءا من المبلغ الآن والباقي مع راتب الشهر القادم، أرجوك سلم ابني كتبه، لا أريده أن يعود للمنزل مكسور الخاطر في أول يوم".
رد المحاسب ببرود مهني، مشيرا إلى ورقة تعليمات معلقة خلفه: "يا سيد سمير، التعليمات واضحة وصارمة من الإدارة ومن النقابة. النظام لا يقبل الجدولة الشفوية. لا كتب دون تسديد كامل مستحقات الفصل السابق وجزء من الحالي.
النقيب منذر الصوراني أوضح اليوم أن وزارة التربية والتعليم نفسها لا تسلمنا الكتب إلا بعد أن ندفع ثمنها كاملا 'كاش'. نحن دفعنا ثمن كتب ابنك للوزارة، فكيف نعطيك إياها بالدين؟".
حاول سمير النقاش، مستندا لما قرأه من تعاميم: "لكن وزارة التربية تمنع حرمان الطالب من حقه في التعليم بسبب الأمور المالية. أنتم بذلك تخالفون القانون! ابني الآن جالس في الصف بلا كتاب، هذا حرمان مقنع!".
هنا تدخل المدير المالي للمدرسة، الذي كان يراقب المشهد، وقال بحزم مغلف بالدبلوماسية: "سيد سمير، نحن لا نحرم ابنك من التعليم.
هو جالس في مقعده، يستمع للشرح، ولم نفصله، وهذا التزام منا بالقانون الذي أكده النقيب الصوراني بأن عدم التسديد لا يعني فصل الطالب. لكن الكتب سلعة مادية، وليست خدمة تعليمية مجردة.
هي بضاعة، وعليك شراؤها.
نحن لسنا جمعية خيرية، ولدينا التزامات. الحل بيدك، رتب أمورك المالية وادفع، وستكون الكتب بين يدي رامي في الدقيقة التالية".
خرج سمير من المكتب خائبا. كان الحوار مغلقا تماما.
شعر أنه يدور في حلقة مفرغة بين "منطق التاجر" و"حاجة الأب". المدرسة تتمترس خلف حججها المالية المشروعة من وجهة نظرها، والنقابة توفر الغطاء لذلك، بينما ابنه ينتظره عند البوابة.
العودة الصامتة
رن جرس انتهاء الدوام. خرج الطلبة يتدفقون كالسيل، يحملون حقائبهم المتخمة بالكتب الجديدة.
لمح سمير ابنه رامي يخرج ببطء، حقيبته بدت خفيفة، وأكتافه مثقلة. ركب رامي السيارة. لم يقل "مرحبا".
نظر إلى والده نظرة واحدة كانت كافية لفهم كل شيء. "ما زبطت الأمور يا بابا؟" سأل رامي بصوت خافت.
"بسيطة يا ابني.. بسيطة.. يومين وبتنحل"، أجاب سمير وهو يتجنب النظر في عيني ابنه، مدعيا الانشغال بمرآة السيارة.
طوال الطريق إلى المنزل، كان الصمت هو السيد رامي يفكر في يوم غد، كيف سيدخل حصة الرياضيات بلا كتاب؟ وكيف سيحل واجب اللغة العربية؟ وسمير يفكر في من سيقرضه المبلغ في منتصف الشهر.
ليلة البحث عن مخرج
حل المساء، وهبط الظلام على عمان. في منزل سمير، كان الجو مشحونا بالتوتر الصامت. رامي جلس في غرفته يقلب هاتفه، يرى صور زملائه على "الستوري" وهم يصورون كتبهم الجديدة وعبارات "بداية موفقة".
أغلق الهاتف ورمى بنفسه على السرير، محدقا في السقف، يفكر في الحجج التي سيقولها للمعلمين غدا.
في غرفة المعيشة، جلس سمير أمام حاسوبه، يبحث بيأس في النصوص القانونية. وجد أمامه نص المادتين (11) و (12) من نظام تأسيس وترخيص المؤسسات التعليمية الخاصة. كانت النصوص واضحة كالشمس:
عدم حرمان الطالب من التعليم.
حظر حجز ملف الطالب بسبب الذمم المالية. واستوقفته عبارة وزارة التربية: "الطالب ليس طرفا في العلاقة التعاقدية المالية بين ولي الأمر والمدرسة".
"هذا هو مربط الفرس!" تمتم سمير لنفسه. العقد المالي هو بيني وبين المدرسة.
إذا كان للمدرسة دين عندي، فلتطالبني أنا، لترفع علي دعوى قضائية كما أشار الصوراني نفسه، لكن لماذا تعاقب ابني؟ اتصل بصديقه المحامي في وقت متأخر.
"يا سمير"، قال المحامي عبر الهاتف بصوت متضامن ولكنه واقعي، "القانون معك نظريا.
الدستور يضمن التعليم. واستخدام الكتب كوسيلة ضغط هو التفاف ذكي ولكنه غير قانوني.
المدرسة تقول لك: لم أفصله، لكنني لن أعطيه السلعة! المشكلة يا صديقي في التنفيذ.
حتى لو قدمت شكوى للوزارة، وحتى لو فرضوا غرامة على المدرسة، هذا سيأخذ وقتا.. وابنك لديه حصة غدا صباحا".
إلى الغد المجهول
أغلق سمير الهاتف عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلا. الحل القانوني بطيء، والحل المالي مستعص الليلة.
دخل إلى غرفة رامي ليطمئن عليه. وجده نائما، لكن حقيبته المدرسية كانت مفتوحة عند زاوية الغرفة، فارغة إلا من دفتر وقلم. تأمل سمير وجه ابنه النائم.
لم تن ته القصة ببيع ذهب، ولم تن ته بمعجزة مالية هبطت من السماء. الواقع كان أكثر قسوة وبرودة. غدا الإثنين، سيستيقظ رامي، وسيرتدي زيه المدرسي، وسيذهب إلى "طابور الانتظار" مرة أخرى.
سيجلس في حصة العلوم مستمعا فقط، وسيضطر لاستعارة كتاب زميله لينقل الواجب، وسيعود للمنزل مساء ليسأل والده السؤال ذاته: "صار إشي جديد؟".
أطفأ سمير النور، وخرج من الغرفة مثقلا بالهموم. المعركة بين "سندان" الأقساط و"مطرقة" الكتب لم تن ته، بل هي بالكاد بدأت.
وفي عتمة الليل، بقي السؤال معلقا بلا إجابة: من ينتصر غدا؟ كرامة الطالب، أم حسابات المدرسة؟
ويذكر أن بعض المدارس الخاصة تستوفي الأقساط المدرسية على كل فصل دراسي وليس على السنة الدراسية الكاملة





